السيد كمال الحيدري
28
الإنسان بين الجبر والتفويض
الاستدلال العقلي ، أمّا العلوم التجريبيّة والمعارف الطبيعيّة للبشرية فهي تستند إلى قانون السببيّة ، ولو بطل هذا القانون لبطلت بتبعه جميع العلوم . أمّا الارتكان إلى نظرية العادة المستمرّة في تفسير العلوم ، فإنّها تحتاج إلى دليل . على أنّ المسألة ليست معركة بالمصطلحات ؛ إذ لا مشاحة فيها ، وإنّما تدور حول خاصّية الأشياء ؛ أي هل الله سبحانه وضع في الماء - مثلًا - خاصّية الإرواء ورفع العطش ؟ أولئك يرفضون منطق الخاصّية الذي يقوم عليه جوهر قانون العلّية العام ، ويكلون الأمر لمحض العادة . وهذا أمر مرفوض ، فضلًا عمّا يستتبعه من لوازم خطيرة على مسرح الحياة الإنسانية . 3 . إنّ رفض قانون السببيّة يُبطِل أوّل ما يُبطِل مقولة هؤلاء ودعواهم ، إذ لا يمكن أن تثبت أبداً مهما أقاموا عليها من أدلّة ومقدّمات ، لأنّ المفروض أنّه ليس هناك علاقة بين الدليل والمدلول . تحليل الموقف الأشعري هناك بعض القراءات تسعى أثناء استعراض أفكار الآخرين إلى إعطاء صورة سطحية مضحكة ؛ الأمر الذي يتنافى مع أمانة الممارسة الفكرية وروح المنهج العلمي في البحث ، فضلًا عمّا ينطوي عليه من تزوير لواقع الأفكار واستخفاف بالعقول . أمّا منهجيّة هذا الكتاب فتلتزم - ما أمكن - النأي عن هذا اللون من التعامل الفكري ، وتحاول بدلًا من ذلك أن تقدِّم تفسيراً تُحلِّل في ضوئه الأسباب التي دفعت